أفعال القلوب والرجحان
أفعال القلوب والرجحان
انصب بفعل القلب
جزئي ابتدا ... أعني رأى خال علمت وجدا
ظن حسبت وزعمت مع
عد ... حجا درى وجعل اللذ كاعتقد
وهب تعلم والتي
كصيرا ... أيضا بها انصــــــب مبتدا وخبرا
هذا
هو القسم الثالث من الأفعال الناسخة للابتداء وهو ظن وأخواتها، وتنقسم على قسمين
أحدهما أفعال القلوب
والثاني أفعال التحويل
فأما أفعال القلوب فتنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يدل على اليقين وذكر المصنف منها خمسة رأى وعلم ووجد
ودرى وتعلم. والثاني ما يدل على
الرجحان وذكر المصنف منها ثمانية خال وظن وحسب وزعم وعد وحجا وجعل وهب.
وكما هو موضح في الخطّاطة في أدناه.

تدخل ظن وأخواتها على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين - كما هو رأي
الجمهور - تقول: ظننت عليا أخاك.
إن أفعال القلوب
سميت كذلك لأنها أفعال قلبية باطنة لا ظاهرة حسية مثل ضرب وأكل ومشى. وهذه الأفعال
منها ما هو لازم كقولك: جَبُن خالد وفرح ورغب، ومنها ما هو متعد وهو قسمان: منها
ما يتعدى إلى واحد نحو كرهت خالدا وخفت الله، ومنها ما يتعدى إلى مفعولين وهذا القسم هو المقصود في هذا الباب.

وحكى الفراء: " عدمتني، وفقدتني، ووجدتني، وذلك على
سبيل المجاز لا الحقيقة" ، ولا
يقال: " ضربتني اتفاقا، لئلا يكون الفاعل مفعولا، بل ضربت نفسي وظلمت
نفسي ليتغاير اللفظان.
1. رأى[1]
فمثال رأى قول الشاعر: رأيت
الله أكبر كل شيء محاولة وأكثـــــــرهم
جنودا
فاستعمل رأى فيه
لليقين، والشاهد فيه: قوله: ( رأيت الله أكبر). فإن رأى فيه دالة على اليقين، وقد
نصبت مفعولين، أحدهما لفظ الجلالة، والثاني قوله " أكبر ".
وقد تستعمل رأى بمعنى ظن كقوله تعالى: (إنهم
يرونه بعيدا) أي يظنونه.
[ألم تر؟] تستعمل العرب هذا التعبير بمعنيين: أحدهما هو السؤال عن
الرؤية البصرية أو القلبية كأن تقول: ألم تر خالدا اليوم؟ أو تقول: ألم تر الأمر
كما رأيته؟ والآخر بمعنى: (ألم تعلم) و (ألم ينته علمك) وهي كلمة تقولها العرب عند
التعجيب قال تعالى: {ألم يروا إلى الطير مسخرات فيجو السماء ما يمسكهن إلا الله}،
وقال: {أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم}.
2. علم:
وهو فعل يفيد اليقين، نحو قوله
تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا)
وكقولك: (علمت محمدا مسافرا)
علمتك
الباذل المعروف فانبعثت إليك بي
واجفات الشوق والأمل.
الشاهد فيه: قوله " علمتك الباذل. فإن علم في هذه
العبارة فعل دال على اليقين، وقد نصب به مفعولين: أحدهما الكاف، والثاني قوله الباذل.
وقيل تأتي للرجحان قليلا، كقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات
فلا ترجعوهن إلى الكفار) [الممتحنة: 10]، لأنه لا سبيل إلى اليقين، فهي هنا بمعنى
ظن. والحق أنها للعلم لا للظن، فهناك فرق بين الظن والعلم، فقولك (ظننته مؤمنا)
يختلف عن قولك (علمته مؤمنا) فإن الظن قد يكون بورود الأمر على الخاطر، وقد يكون
بلا سبب يرجحه أو يكون السبب ضعيفا، بخلاف العلم، فإنه يكون بعد التثبت والاطلاع،
ولذا جاء هذا القول بعد قوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات
مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار)
3. وجد:
وهو من أفعال اليقين بمعنى (علم) قال تعالى: (وإن وجدنا
أكثرهم لفاسقين) [الأعراف: 102]، وهذا الفعل منقول من وجد الشيء ولقيه وأصله في
الأمور الحسية، ثم نقل معناه إلى الأمور القلبية فعندما تقول: (وجدت الظلم وخيم
العاقبة) كان معناه أنك وجدت هذا الأمر وأصبته كما تصاب الأمور المحسوسة ليس في
ذلك شك، فنقل من هذا المعنى المادي إلى الأمر المعنوي، ولما كان وجدان الشيء ولقيه
أمرا يقينا، كان الأمر العقلي بمنزلته.
4. درى.
يستعمل (درى) بمعنى (علم)، قال تعالى: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم)
[الأحقاف: 9]، وأكثر ما يستعمل دري معدى بالباء، نحو (دريت بخالد) فإن دخلت عليه
الهمزة تعدي لآخر بنفسه، كما في قوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا
أدراكم به).
دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط ... فإن اغتباطا
بالوفاء حميد
الشاهد فيه: قوله " دريت الوفي العهد " فإن
" درى " فعل دال على اليقين، وقد نصب به مفعولين، أحدهما: التاء التي
وقعت نائب فاعل، والثاني هو قوله " الوفي "
الدراية تكون بعد الجهل، وفي الغالب تكون بإخبار، أو بما هو
بمنزلة الأخبار كأن تعلم الأمر بضرب من الحيلة والتوسل، وذلك كأن يفعل شخص أمورا
لا تعلمها ثم تحاول الاطلاع عليها بوسيلة ما، فتطلع على ذلك فتقول: قد دريت بما
يفعل فلان.
5. تعلّم: وهو بمعنى
(أعلم) وليس أمرا
للفعل (تعلم) الذي منه
تعلمت النحو والفقه.
تعلم
شفاء النفس قهر عدوها فبالغ بلطف في التحيل والمكر
الشاهد فيه: قوله " تعلم شفاء النفس قهر عدوها
" حيث ورد فيه " تعلم " بمعنى اعلم، ونصب به مفعولين. وهو فعل لا
يتصرف. أما (تعلم) في نحو: تعلم ما ينفعك فهو متصرف، وهناك فرق بين الفعلين،
فعندما تقول (تعلم النحو) يكون المعنى خذ بأسباب العلم من الدرس والتحصيل. وتقول:
تعلم أن الله يمهل الظالم ولا يهمله، ومعناه: اعلم ذلك. وليس المقصود به ما في
الفعل الأول.

1. خال: مثال الدالة
على الرجحان قولك خلت زيدا
أخاك وقد تستعمل خال لليقين كقوله:
دعاني الغواني
عمهن وخلتني ... لي اسم فلا أدعى به وهو أول
الشاهد فيه: قوله
" وخلتني لي اسم " فإن " خال " فيه بمعنى فعل اليقين، وليس هو
بمعنى فعل الظن، لانه لا يظن أن لنفسه اسما، بل هو على يقين من ذلك، وقد نصب بهذا
الفعل مفعولين، أولهما ضمير المتكلم، وهو الياء، وثانيهما جملة " لي اسم
" من المبتدأ والخبر.
2. ظنَّ: الظن
"التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم. نحو ظننت زيدا صاحبك وقد
تستعمل لليقين كقوله تعالى: {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} .
قال السيرافي: لا
يستعمل الظن بمعنى العلم إلا في الأشياء الغائبة عن مشاهدة الحواس لها، لا يقال
ظننت الحائط مبنيا وأنت تشاهده.
3. حسب: يراد به الاعتقاد الراجح ومعناه الظن - كما يقول النحاة:
حسبت زيدا صاحبك، وكقوله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف)، وقد تستعمل
لليقين كقوله:
حسبت التقى والجود خير تجارة رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
الشاهد فيه: قوله
" حسبت التقى خبر تجارة إلخ " حيث استعمل الشاعر فيه " حسبت "
بمعنى علمت، ونصب به مفعولين، أولهما قوله " التقى " وثانيهما قوله
" خير تجارة ".
4.
زعم: الزعم هو القول بأن الشيء على صفة قولا غير مستند
إلى وثوق فقد يكون حقا وباطلا.
فإن تزعميني كنت
أجهل فيكم ... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
الشاهد فيه: قوله
" تزعميني كنت أجهل " حيث استعمل المضارع من " زعم " بمعنى
فعل الرجحان، ونصب به مفعولين، أحدهما ياء المتكلم، والثاني جملة " كان
" ومعموليها.
وأكثر ما يقع
الزعم على الباطل قال تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلي وربي لتبعثن}
قال الليث:
" سمعت أهل العربية يقولون: إذا قيل ذكر فلان كذا وكذا فإنما يقول ذلك لأمر
يستيقن أنه حق، وإذا شك فيه فلم يدر لعله كذب، أو باطل، قيل زعم فلان".
5. عدّ: يقول النحاة
هو بمعنى (ظن) وذلك نحو قوله:
فلا تعدد المولى شريك في الغنى ... ولكنما المولى
شريكك في العدم
الشاهد فيه: قوله " فلا تعدد المولى شريكك "
حيث استعمل المضارع من " عد " بمعنى تظن، ونصب به مفعولين، أحدهما قوله
" المولى " والثاني قوله " شريك "
وهذا الفعل منقول من (عد) المحسوس الذي هو بمعنى
الإحصاء، نحو قوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} ، إلى المعنى القلبي،
فعندما تقول: (كنت أعده فقيرا) يكون المعنى إني كنت أحصيه في جملة الفقراء.
6. حجا: قيل هو
بمعنى (ظن) وذلك نحو قول الشاعر:
قد كنت أحجو أبا عمرو أخاثقة ... حتى ألمت بنا
يوما ملمات
الشاهد فيه: قوله " أحجو أبا عمرو أخا " حيث
استعمل المضارع من " حجا " بمعنى ظن، ونصب به مفعولين، أحدهما " أبا
عمرو " والثاني " أخا ثقة ".
وهذا الفعل مأخوذ من (الحجا) وهو العقل والفطنة فإذا
قلت: أحجو به خيرا أو قلت: حجوتك منجدا كان المعنى أن هذا ما هداني إليه عقلي،
وحجاي فقد يكون صحيحا وقد يكون غير ذلك.
7. جعل: وهو من
أفعال القلوب والتحويل فمن مجيئه من أفعال القلوب قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة
الذين هم عباد الرحمن إناثا} [الزخرف: 19]، أي ظنوهم واعتقدوهم.
ومن مجيئه للتحويل والتصيير، قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما
عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} وأصل الجعل حسي، تقول: جعل الشيء يجعله جعلا أي
وضعه وجعله، صنعه وجعله صيره قال سيبويه: جعلت متاعك بعضه فوق بعض ألقيته وقال مرة
عملته .. وجعل الطين خزفا والقبيح حسنا صيره إياه، ثم نقل إلى معنى الظن
والاعتقاد، فإذا قلت: (جعل البصرة بغداد) كأن المعنى كأنه فعل ذلك، ولما كان هذا
لا يكون، لأن البصرة لا تكون بغداد، فهم من ذلك أنه أريد الظن، وكذلك إذا قلت (جعل
عليا أخاك)، كان المعنى كأنه فعل ذلك، ولما كان هذا لا يكون لأن الرجل لا يكون اخا
بالجعل، فهم منه أنه قصد الظن. وهذا الاستعمال لا يزال جاريا عند العامة، تقول
العامة: فلان لا يدري ما يقول جعل خالدا أخي ومحمدا عمي.
8. هبْ: وهو فعل أمر
لا يتصرف بمعنى أحسب وظن. تقول: هبني فعلت هذا الأمر أي احسبني واعددني. وهو غير
(هب) الذي ماضيه (وهب) من الهبة. جاء في (لسان العرب): " تقول: هب زيدا
منطلقا بمعنى احسب، يتعدى إلى مفعولين، ولا يستعمل منه ماض ولا مستقبل في هذا
المعنى.
فقلت أجرني أبا
مالك ... وإلا فهبني امرأ هالكا
الشاهد فيه: قوله
" فهبني امرأ " فإن " هب " فيه بمعنى فعل الظن، وقد نصب
مفعولين، أحدهما ياء المتكلم، وثانيهما قوله " امرأ "
إجراء القول مجرى الظن
قد تقع الجملة
بعد القول ويراد بها لفظها، تقول: قال محمد: "خالد مسافر" أي تلفظ بهذا
الكلام - وهذه الجملة تسمى محكية. وقد يراد بها معناها، لا نص الفاظها، فيكون
القول بمعنى الظن،
ويصبح فعل القول
قلبيا، لأنه صار بمعنى الظن، وعند ذلك ينصب المبتدأ والخبر، كما ينصبهما ظن فقولك:
(قلت: خالد مسافر) معناه إني قلت هذه الكلمات بألفاظها. ومعنى قولك (قلت خالدا
مسافرا)، عند من
يجيز ذلك - ظننت خالدا مسافرا، وليس المعنى إني تلفظت بهذه الكلمات، وبتعبير آخر
إني ذكرت معنى الجملة لا لفظها، فلا يكون النصب إلا بعد إجراء القول مجرى الظن،
وإما الرفع فعلى كونه بمعنى التلفظ. هذه لغة بني سُليم.
أمّا عامّة العرب فيشترطون في
إجراء القول مجرى الظن شروطًا أربعة وهي:
فمثال ما اجتمعت
فيه الشروط قولك أتقول عمرا منطلقا فعمرا مفعول أول ومنطلقا مفعول ثان ومنه قوله:
متى تقول القلص
الرواسما ... يحملن أم قاسم وقاسما
الشاهد فيه: قوله
" تقول القلص يحملن " حيث أجرى تقول مجرى تظن، فنصب به مفعولين الاول
قوله " القلص " والثاني جملة " يحملن ".
لو كان الفعل غير
مضارع نحو قال زيد عمرو منطلق لم ينصب القول مفعولين عند هؤلاء وكذا إن كان مضارعا
بغير تاء نحو يقول زيد عمرو منطلق أو لم يكن مسبوقا باستفهام نحو أنت تقول عمرو
منطلق أو سبق باستفهام ولكن فصل بغير ظرف ولا جار ومجرور ولا معمول له نحو أأنت
تقول زيد منطلق فإن فصل بأحدها
لم يضر نحو أعندك
تقول زيدا منطلقا وأفي الدار تقول زيدا منطلقا وأعمرا تقول منطلقا ومنه قوله:
أ جهالا تقول بني
لؤي ... لعمر أبيك أم متجاهلينا
فبني لؤي مفعول
أول وجها لا مفعول ثان.
وإذا اجتمعت
الشروط المذكورة جاز نصب المبتدأ والخبر مفعولين لتقول نحو أتقول زيدا منطلقا وجاز
رفعهما على الحكاية نحو أتقول زيد منطلق. إلا بني سليم فهم يجرون القول مجرى الظن
من دون قيد أو شرط. نحو:
قالت وكنت رجلا
فطينا ... هذا لعمر الله إسرائينا
فهذا مفعول أول
لقالت وإسرائينا مفعول ثان.

1.
جعل:
وهو من أفعال القلوب والتحويل فمن مجيئه من أفعال القلوب قوله تعالى:
{وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} [الزخرف: 19]، أي ظنوهم واعتقدوهم
(1).
ومن مجيئه للتحويل والتصيير، قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل
فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23].
وأصل الجعل حسي،
تقول: جعل الشيء يجعله جعلا أي وضعه وجعله، صنعه وجعله صيره قال سيبويه: جعلت
متاعك بعضه فوق بعض ألقيته وقال مرة عملته .. وجعل الطين خزفا والقبيح حسنا صيره
إياه، ثم نقل إلى معنى الظن والاعتقاد، فإذا قلت: (جعل البصرة بغداد) كأن المعنى
كأنه فعل ذلك، ولما كان هذا لا يكون، لأن البصرة لا تكون بغداد، فهم من ذلك أنه
أريد الظن، وكذلك إذا قلت (جعل عليا أخاك)، كان المعنى كأنه فعل ذلك، ولما كان هذا
لا يكون لأن الرجل لا يكون اخا بالجعل، فهم منه أنه قصد الظن.
2. اتخذ، تخذ.
وهما من أفعال التحويل والتصيير قال تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن
سبيل الله} [المجادلة: 16]، وتقول: (تخذت دارك سكنا لي) وقرئ لتخذت عليه أجرا. وهذان
الفعلان بمعنى واحد، وقيل بل هما في الأصل من مادة واحدة، فقد ذهب قسم من اللغويين
إلى أن (تخذ) مبني من (أخذ).
3.
ترك.
وأصل ترك كونه " بمعنى طرح وخلي، فلها مفعول واحد ضمن معنى صير فتعدي
لاثنين نحو {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17]، قال الشاعر:
وربيته حتى إذا ما
تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
فنصب الهاء وأخا القوم.
4.
صار، أصار.
وهو فعل من (صار)
ويقال أصار أيضا: جاء في (الهمع): " صير وأصار المنقولان من صار، إحدى أخوات
كان بالتضعيف والهمز" نحو صيرت الطين إبريقًا.
5. ردّ.
الرد صرف الشيء
ورجعه إليه، تقول: رددت الصبي إلى أهله، ثم ضمن معنى التصيير كقوله:
فرد شعورهن السود
بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا
6. وهب:
وأصله من الهبة،
ثم ضمن معنى التصيير وذلك نحو قولهم: وهبني الله فداك. ومعنى هذا القول أن جعله
فداء محبوب لديه، وهو بمنزلة الهبة، فدعا لنفسه أن يجعل الله فداء له. " وهو
بهذا المعنى لازم المضي لجريان كالمثل"
تقدم أن هذه
الأفعال قسمان أحدهما أفعال القلوب والثاني أفعال التحويل فأما أفعال القلوب
فتنقسم إلى متصرفة وغير متصرفة فالمتصرفة ما عدا هب وتعلم فيستعمل منها الماضي نحو
ظننت زيدا قائما وغير الماضي وهو المضارع نحو أظن زيدا قائما والأمر نحو ظن زيدا
قائما واسم الفاعل نحو أنا ظان زيدا قائما واسم المفعول نحو زيد مظنون أبوه قائما
فأبوه هو المفعول الأول وارتفع لقيامه مقام الفاعل وقائما المفعول الثاني والمصدر
نحو عجبت من ظنك زيدا قائما ويثبت لها كلها من العمل وغيره ما ثبت للماضي.

التعليق
في النحو إبطال العمل لفظا لا
محلا لمجيء ماله صدر الكلام بعده، كما النافية، ولام الابتداء، والاستفهام، تقول:
علمت ما محمدا مسافرا، وعلمت لمحمد مسافر، وعلمت أيهم أبوك. وهو مختص بالأفعال القلبية المتصرفة.
إن التعليق يبطل لفظا دون معنى لمانع نحو ظننت لزيد قائم
فقولك لزيد قائم لم تعمل فيه ظننت لفظا لأجل المانع لها من ذلك وهو اللام ولكنه في
موضع نصب بدليل أنك لو عطفت عليه لنصبت نحو ظننت لزيد قائم وعمرا منطلقا فهي عاملة
في لزيد قائم في المعنى دون اللفظ.
الالغاء
" هو ترك العمل لفظا ومعنى لا لمانع نحو زيد ظننت قائم، فليس لـ (ظننت) عمل
في (زيد قائم) لا في المعنى ولا في اللفظ".
والالغاء يكون في الأفعال القلبية المتصرفة أما غير المتصرفة فلا يكون فيها تعليق
ولا الغاء، وكذلك أفعال التحويل نحو صير وأحوالها.
يجوز إلغاء هذه
الأفعال المتصرفة إذا وقعت في غير الابتداء كما إذا وقعت وسطا نحو زيد ظننت قائم
أو آخرا نحو زيد قائم ظننت، وإذا توسطت فقيل الإعمال والإلغاء سيان وقيل الإعمال
أحسن من الإلغاء وإن تأخرت فالإلغاء أحسن وإن تقدمت امتنع الإلغاء عند البصريين
فلا تقول ظننت زيد قائم بل يجب الإعمال فتقول ظننت زيدا قائما فإن جاء من لسان
العرب ما يوهم إلغاءها متقدمة أول على إضمار ضمير الشأن كقوله:
أرجو وآمل أن تدنو
مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
فالتقدير: وما
إخاله لدينا منك تنويل فالهاء ضمير الشأن وهي المفعول الأول ولدينا منك تنويل جملة
في موضع المفعول الثاني وحينئذ فلا إلغاء.
كذاك أدبت حتى صار
من خلقي ... أني وجدت ملاك الشيمة الأدب
التقدير: أني
وجدت لملاك الشيمة الأدب فهو من باب التعليق وليس من باب الإلغاء في شيء.
وذهب الكوفيون
وتبعهم أبو بكر الزبيدي وغيره إلى جواز إلغاء المتقدم فلا يحتاجون إلى تأويل
البيتين.

فيجب التعليق إذا
وقع بعد الفعل ما النافية نحو ظننت ما زيد قائم أو إن النافية نحو علمت إن زيد
قائم ومثلوا له بقوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلاَّ قَلِيلاً} وقال
بعضهم ليس هذا من باب التعليق في شيء لأن شرط التعليق أنه إذا حذف المعلق تسلط
العامل على ما بعده فينصب مفعولين نحو ظننت ما زيد قائم فلو حذفت ما
لقلت ظننت زيدا
قائما والآية الكريمة لا يتأتى فيها ذلك لأنك لو حذفت المعلق وهو إن لم يتسلط
تظنون على لبثتم إذ لا يقال وتظنون لبثتم هكذا زعم هذا القائل ولعله مخالف لما هو
كالمجمع عليه من أنه لا يشترط في التعليق هذا الشرط الذي ذكره وتمثيل النحويين
للتعليق بالآية الكريمة وشبهها يشهد لذلك.
وكذلك يعلق الفعل إذا وقع بعده لا النافية نحو ظننت لا
زيد قائم ولا عمرو أو لام الابتداء نحو ظننت لزيد قائم أو لام القسم نحو علمت
ليقومن زيد ولم يعدها أحد من النحويين من المعلقات أو الاستفهام ولو صور ثلاث أن
يكون أحد المفعولين اسم استفهام نحو علمت أيهم أبوك الثانية أن يكون مضافا إلى اسم
استفهام نحو علمت غلام أيهم أبوك الثالثة أن تدخل عليه أداة الاستفهام نحو علمت
أزيد عندك أم عمرو وعلمت هل زيد قائم أم عمرو.
لا يجوز في
هذا الباب سقوط المفعولين ولا سقوط أحدهما إلا إذا دل دليل على ذلك. فمثال حذف
المفعولين للدلالة أن يقال هل ظننت زيدا قائما فتقول ظننت التقدير ظننت زيدا قائما
فحذفت المفعولين لدلالة ما قبلهما عليهما ومنه قوله:
بأي كتاب أم بأية
سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب
أي وتحسب حبهم
عارا علي فحذف المفعولين وهما حبهم وعارا علي لدلالة ما قبلهما عليهما.
ومثال حذف
أحدهما للدلالة أن يقال هل ظننت أحدا قائما فتقول ظننت زيدا أي ظننت زيدا قائما
فتحذف الثاني للدلالة عليه ومنه قوله:
ولقد نزلت فلا تظني
غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
أي فلا تظني غيره
واقعا فـ"غيره" هو المفعول الأول و"واقعا" هو المفعول الثاني.
فإن لم يدل على الحذف دليل امتنع الحذف.
[1] تأتي رأى
بمعنى علم، وبمعنى ظن، وتأتي كذلك بمعنى حلم، أي رأى في منامه وتسمى الحلمية، وهي
بهذه المعاني الثلاثة تتعدى لمفعولين، وتأتي بمعنى أبصر نحو " رأيت الكواكب
"، وبمعنى اعتقد نحو " رأى أبو حنيفة حل كذا " وتأتي بمعنى أصاب
رئته وتقول " رأيت محمدا " وتتعدى هذه لمفعول واحد.
تعليقات
إرسال تعليق